فن الإختفاء والعزله 

قبل ظهور التكنولوجيا الانسان لما كان بيواجهه مشكله كان بيختلى بنفسه لبعض الوقت عشان يتفكر وبعد ظهور التكنولوجيا الانسان لما بتواجه مشكله بيسأل جوجل.

زمان كان بيعرف سبب المشكله بالنظر فى الداخل ، ودلوقتى بيعرف حلول مشاكل لا يعلم لها مسببات. لما الانسان بيرجع لذاته فى الاول بيعرف هو محتاج ايه بعدين يبحث عنه فى الخارج فبيكون عنده هدف ووجهه. بدون النظر فى الداخل الانسان مش بيقدر يحدد هو محتاج ايه فيتحول بحثه عن المعلومات فى الخارج لبحث مبنى على ظن واستنتاجات لا تعكس حقيقة ما يدور فى عالمه الداخلى.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى قادر على تقديم معلومات معقده بدقه وسرعة تخليه يتفوق على الانسان لكنه فى الوقت ذاته غير قادر على تقديم معلومات عن العالم الداخلى الخاص بكل انسان، كيف يفكر؟ فى ماذا يفكر؟ بماذا يشعر؟ ماذا يريد وماهى غايته؟ ماهى مخاوفه؟ ما الذى يكافح من اجله؟ كيف يرى ذاته؟ وما هو معنى الحياة؟

عند المستوى ده من المعرفه اغلب النصائح والحلول والنظريات بتفقد قيمتها وفاعليتها اذا كانت لا تخاطب مكونات العالم الداخلى للشخص من رغبات ودوافع ومخاوف وما الى ذلك. فتلاقى الانسان فى حالة استقبال مستمر للمعلومات ويبدو انه لديه كل الحلول معرفيا ولكنها حلول عامه لا تخاطب ذاته ولا يتفق معها نسيجه العاطفي والنفسي، الحاله دى بتترجم سلوكيا فى الشخص اللى زادت معرفته وقل انتاجه. الشخص اللى تعددت اهدافه وقلت دوافعه.

معرفة الانسان لذاته تتطلب النظر فى الداخل، والنظر فى الداخل يتطلب اسكات الاصوات من الخارج ولا يوجد وسيله افضل من الاختفاء والعزلة لفتح كنوز المعرفه الذاتيه.

العزلة ليست هروبًا من الواقع، بل هي وسيلة لاستعادة التوازن. إنه المكان الذي تستطيع فيه أن تواجه نفسك وتعيد التفكير في أولوياتك. بدون فترات من العزلة، يصبح من الصعب تحقيق التطور النفسي والنمو الروحي – سكوت بيك

الإستهلاك المعلوماتي

الشخص اللى بيستهلك معلومات من محيطة الخارجي طول الوقت فى النهايه مش بيلاقى فى نفسه حاجه جديده يقدمها، محتواه الداخلى من افكار ومعتقدات وحتى مشاعر بيكون صدى للى بيشوفه وبيسمعه حواليه، بيتحول لنسخه تقليديه بأفكار سطحية، اهداف لا تخصه، خطط غير مكتملة، عقل مشتت، ونفسية غير مستقرة. الشخص الاستهلاكى هو الشخص اللى اعتاد التواجد والتفاعل المستمر مع العالم والناس والاحداث، بيلاقى نفسه وسط المحيط مافيش مرسى، ولا بوصله تساعده يتحرك فى اتجاه، مافيش قدامه غير انه يخبط يمين وشمال عشان ما يغرقش، هو مجبر يتحرك لكنه مع الاسف بيتحرك فى مكانه، حركه مش بتغير حاله ولا بتدفعه لوجهه من اختياره وصعب يرسى فى النهاية على بر أمن.

وانا عمرى ٢١ سنه كنت وصلت لقمة الضياع وفقدت الثقه بكل حاجه فى حياتى بما فيهم نفسي، لجأت لربنا بعد ما استنفذت كل الحلول، كنت تعبت من الحياة وهربت منها للعزله الشبه تامه ولاول مره حسيت انى مش لوحدى لما سمعت لقلبى وحدثى الداخلى اكتشفت انه عندى افكار كتير غلط، مخاوف غير حقيقة، مشاكل انا السبب فيها وكنت بلوم غيرى عليها، انا كنت بلعب دور الضحية لمشاكل انا السبب فيها وكل ده كان بيحصل بدون وعى منى لحقيقة ما يحدث، لكن كمان اكتشفت انى عندى اراده ورغبة كبيرة فى الحياة. طبقات من الجهل المركب بدأت فى الزوال اثناء فترة العزله اللى استمرت حولى ٣ شهور وبدأت اشوف لمحات عن ذاتى الحقيقة بعيدا عن اصوات المجتمع وتوقعاته، بعيدا عن مشاكل الماضي ومخاوفي من المستقبل. فى عزلتى اتعلمت عن نفسي حاجات عرفتها بقلبى وصعب اعبر عنها بكلام لكنها معرفه بتغذى الروح وتريح الفكر وتقوى الاراده. معرفه لما رجعت بيها لمحيطي الاجتماعى وحياتى التقليديه كنت شايف طريقى ومدرك لكل خطوة بتقربنى من هدفى او بتخرجنى عن المسار اللى اختارته لنفسي. اتعودت من وقتها ابعد واعتزل كل شئ مؤقتا لما احس انى بطلت شايف الطريق وبطلت عارف انا محتاج ايه. العزله هى الحبايه السحريه للخروج من حالة الضياع والتوهان اللى لازلت بدخل فيها من وقت للتانى.

العزله مش بتغير حياة الانسان انما بتساعده يعرف بوضوح ما يجب عليه تغيره. بتساعده يفهم ذاته ويقرب منها ويكتشف مكامن قوته الفطرية ويشوف ملامح الطريق اللى ضرورى يتحرك فيه وكل ده بيتم عن طريق تفعيل القلب بإعتبارة اهم آليات المعرفه الفطرية.

إهرب من العالم إلى ذاتك لتُحضر ذاتك إلى العالم – محمد شبكة

آليات المعرفة الفطرية

البني آدم جواه ثلاث آليات أساسية للفهم والمعرفة: العقل، والقلب، والحدس الداخلي. كل واحدة من الآليات دي ليها دور مهم في حياتنا اليومية، واللي بيجمع بينهم إنهم بيرشدونا لاختيار القرارات المناسبة والتصرفات الصحيحة. خلينا نشوف الفرق مبدئيا بين العقل والقلب.

١. العقل هو الأداة الأساسية للتفكير المنطقي والتحليل. عن طريقه بنقدر نحلل البيانات، نربط المعلومات، ونتخذ قرارات مبنية على الأدلة والحقائق. العقل بيشتغل زي الكمبيوتر، بياخد المعلومات ويعمل ليها معالجة لحد ما يوصل لحل. اعتماد الانسان بشكل كامل على عقله بيخليه فى حالة بحث واستقبال مستمر للمعلومات ولكن رغم كثرة المعلومات قدرة العقل بتكون محدودة في المواقف اللي فيها مشاعر قوية أو غموض، لأنه بيعتمد على المعلومات المتاحة ولو المعلومات دي ناقصة، قراره ممكن يكون غلط. العقل مش بيقرأ المشاعر والمشاعر معلومات بيقدمها الجسم عن ما يحدث فى عالم الانسان الداخلى وبالتالى اعتماد الانسان على العقل بإعتبارة ألية المعرفه الوحيده شئ مضلل فى حد ذاته لانه بيقل الباب فى وش احد اهم آليات المعرفه – القلب.

٢.القلب هنا مش بمعناه العضوي، لكن بمعناه اللي بيرتبط بالمشاعر والعاطفة. المشاعر بتيجي من القلب، وبتكون دليل قوي في مواقف معينة. القلب بيخلينا نحس بالعاطفة، سواء حب أو خوف أو سعادة، وهو اللي بيخلينا نقدر نفهم العالم من وجهة نظر إنسانية.

القلب يعقل وهو محط الهداية والحكمة وادارك الحقائق وهو المخاطب فى النصوص الدينية باعتبارة دفة القيادة وعصا التحكم والمنوط بتحديد المسار والغايه من الحياة

القلب قرآنيا ومن حيث الأحاديث الشريفة مش مجرد مضخة للدم، لكنه اساس العقل والتفكير ومن خلاله بيقدر الانسان يدرك حقائق الاشياء، قال تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (24) سورة محمد.

وبالتالى ادارك الانسان لحقيقة ذاته وغايته فى الحياة وتحديث معتقداته بيستوجب عليه الانفراد بنفسه عشان يقدر يستمع لقلبة ويصلح ما افسدته الظروف من ناحية وما افسدته قراراته وسلوكياته الخطأ من ناحية اخري. 

ابن خلدون، المؤرخ والفيلسوف الشهير، كان عايش فترات طويلة من العزلة بعد ما اعتزل الحياة العامة بعد مشاكل شخصية وسياسية. قرر يستقر في قلعة بني سلامة في الجزائر أربع سنين. في فترة العزلة دي، كتب “المقدمة”، اللي هي واحدة من أهم الأعمال في علم الاجتماع والتاريخ. ابن خلدون استغل الوقت ده عشان يتفكر ويبلغ فكرته عن التاريخ والحضارات.

نيكولا تسلا، المخترع العبقري، كان معروف بحبه للعزلة. كان بيبعد عن الحفلات والنشاطات العامة، وكان بيقضي ساعات طويلة لوحده في التأمل والتفكير. في الفترات دي من العزلة، طور تسلا كتير من أفكاره واختراعاته الكبيرة، زي التيار المتردد والمولدات الكهربائية. كان بيشوف إن العزلة شرط أساسي للإبداع، وإن بدونها الإنسان مش هيقدر يحقق إنجازات كبيرة.

فطرة الانسان بتدفعه لإختيار العزله ولو بشكل مؤقت لما مخه بيعجز عن تقديم حل لمشكله بتواجهه. لما تتراكم عليه المشاكل وتتعقد بيخرج يمشى لوحده، بيقعد فى مكان هدائ ويبص فى السما، بيبعد عن كل شئ عشان يبقى مع نفسه ولما بيكون مع نفسه فى حالة استسلام قد تخطر على باله فكره مطمئنة، حل بسيط مكنش قادر يشوفه قبل كده. الافاكر والحلول اللى بتيجى فى العزله مصدرها القلب وهى اقرب للحقيقه عشان كده تسمى حكمه. الشخص الحكيم هو شخص اعتاد الخلوه مع النفس هو الشخص اللى بيستمتع بوقته بعيدا عن كل الحوافز الخارجيه والمثيرات الحسية، هو الشخص اللى قدر ينظر فى كنز المعرفه الداخلى.

العزله لا تعنى الانقطاع عن العالم

البعض ممكن يتخيل ان العزله معناها انى انقطع عن العالم بالاسابيع والشهور غير كده ما تبقاش عزله. اذا كان التصور ده صحيح ازاى ممكن الشخص يختفى عن الانظار وينفرد بحاله وهو مطالب بالعمل والتواجد فى حياة اهله يوميا، وهو مطالب بمسؤوليات مافيش حد ممكن يقوم بها غيره؟

العزله من وجهة نظرى هى انفراد الانسان بنفسه لبعض الوقت بهدف تفعيل اهم آلية للمعرفه (القلب)

ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة – ابن عطاء الله السكندري

العزله ممكن تكون نص ساعه كل يوم ممكن تكون نص يوم كل اسبوع وممكن تكون اسبوع كل ٤ شهور. كل انسان يقدر يخصص وقت مناسب ليه بحسب جدوله ونمط حياته، وقت يبعد فيه عن كل حاجه ويقعد مع نفسه بدون تحليل، بدون احكام، بدون محاوله لفعل اى شئ. فى الممارسه البسيطة دى الانسان بيبدأ تدريجيا يلاحظ انه فى معلومات وافكار بتظهر من الداخل، حلول لمشاكل بدون عناء الوصول ليها، مسارات واضحه فى الحياه نابعه من داخله ومنسجمه مع وجدانه. فى الحاله دى الانسان بيكتشف انه عنده كنز من المعرفه الخاصه به واستخدام المعرفه دى هو اللى بيفتح على الانسان ابواب الابداع والابتكار والحكمه فى التصرف واتخاذ القرارات.

الخلاصة

الانسان بيختار بالقلب ثم يبرر اختياراته بالعقل. مافيش بيانات وارقام تقدر من خلالها تعرف ذاتك، او تحدد الغايه بتاعتك من الحياة ولا تقولك ايه الاحلام اللى ينفع تحلمها. بطل تدور على المعلومات دى فى الكتب والنصائح المتداوله حواليك، لو كانت نفعت غيرك كانت نفعتنى ونفعتك ونفعت كل الناس اللى بتسأل عن معنى الحياة. لو عايز تقرب من حقيقة وجودك وعايتك من الحياة دور فى قلبك واطلع على المعرفه الداخلية بإحساسك ومشاعرك بدون تحليل وبدون منطق وبدون احكام فقط استقبل ولما تصدق فى فكره، او طريق او حلم بتحلمه استخدم عقلك فى التخطيط والتحليل واتخاذ القرارات والعمل. اعرف الطريق بقلبك وامشيه بعقلك.

شارك الآن على: