سنة 2021 وانا بحضر فيديو على يوتيوب ظهرلى اعلان وكانت من المرات القليلة جدا اللى اهتم فيها بإعلان لدرجة انى خرجت من الفيديو ودخلت على الموقع الخاص بالاعلان عشان اشوف واعرف تفاصيل اكتر. الاعلان كان عن كورس اسمه Rewired للدكتور جو دسبنزا وكنت اول مره اعرف عن الشخص ده – ايه اللى شدنى للاعلان؟
د. جو كان بيتكلم عن تكوين المخ وطريقة عمل العقل وفقا لأحدث الأبحاث والاكتشافات العلمية، وبيشرح ازاى ممكن الانسان يستخدم المعرفة العظيمة دى فى تغيير مش بس قناعاته وسلوكياته لكن كمان من تكوين جيناته الوراثية! – كلام كبير اوى اثار فضولى وبقيت عايز اعرف اكتر خصوصا ان اللى بيقدم الكورس شخص خبير فى مجالة وله سمعة كبيرة وغير حياة ناس كتير بالفعل.
دخلت اشتريت الكورس بدون ما افكر مرتين وحقيقى ممتن جدا للقرار ده، خلصت الكورس فى اسبوع ورجعت حضرته مره تانية وبعدين اشتريت كتاب لصاحب الكورس بيتكلم عن نفس الموضوع وعلى مدار شهرين شاهدت وسمعت معظم مقابلاته فى البودكاست وعلى اليوتيوب اللى محققة ملايين المشاهدات، ودلوقتى هقدملك اقوى واهم حقيقة اتعلمتها من د. جو دسبنزا وتحققت منها على مدار السنين اللى فاتت فيما يتعلق بقدرة الانسان على التغيير، حقيقة تستحق مننا كل الاهتمام والفضول للاستكشاف.
الواقع هو انعكاس لمكنون عقلك الباطن، واذا اردت تغيير الواقع فعليك ان تبدأ من المصدر.
طول عمرى بقرأ وبسمع الأية القرآنية “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” واللى بعتبرها قانون التغيير والتطوير الشخصي، لكن بعد ما اتعلمت اكتر عن تكوين المخ وطرق عمل العقل اصبح عندي فهم اعمق لآلية التغيير من الناحية العلمية والتطبيقية لما بدأت اركز اكتر على دور العقل الباطن فى التغيير.
ماهو العقل الباطن (اللاواعي)
العقل الباطن أو اللاواعي هو الجزء اللي بيفكر ويشتغل من غير ما إحنا نبقى واخدين بالنا، يعني هو اللي بيخزن كل الذكريات والمشاعر والعادات اللي بتأثر على تصرفاتنا بشكل تلقائي وبيمثل حوالى ٩٥٪ من وظائف المخ.
العقل الباطن مش مجرد مفهوم نظرى – بالعكس، فى اجزاء حيوية ومناطق معروفة فى المخ مسؤولة عن وظائف العقل الباطن. ببساطة لايوجد عقل بدون مخ زى ما بنقول لا يوجد سواقة بدون وسيلة نقل، المخ هو العضو المادى فى جسم الانسان بينما العقل هو مجموعة الوظائف اللى بيتم اجرائها من خلال هذا العضو. وطالما المخ من مكونات الجسم، اذا المقوله اللى بتقول “العقل السليم فى الجسم السليم” مقولة تعنى كمان انه “العقل السليم فى المخ السليم”
“عندما تقول “أنا” أي شيء، فإنك تأمر عقلك وجسدك نحو مصير ما.” ~ د.جو دسبنزا

وظائف مهمة يؤديها العقل الباطن فى حياتنا اليومية
من نعمة ربنا علينا هو اننا بعد مانتعلم حاجه جديدة او نكون عادة او نكتسب مهارة بنقدر مع الوقت نعملها بتلقائية وبدون ما نفضل نتحمل عناء التفكير فى الكيفية، زى مثلا الشخص اللى بيفضل يتعلم لغة جديدة لمدة شهور وهو بيواجه تحديات فى فهم القواعد اللغوية وحفظ المفردات لكنه بعد فترة من التعلم والممارسة بيقدر يتكلم اللغة بدون مجهود يذكر.
اللى بيساعدنا نعمل كده واكتر هو العقل الباطن وهنا بعض اهم الوظائف اللى بيقوم بها:
١. الذكريات:
- العقل الباطن بيخزن كل الذكريات بتاعتنا، حتى اللي مش بنفتكرها بشكل واعي. الذكريات دي بتأثر على تصرفاتنا وردود أفعالنا. فيه دراسات في علم النفس بتقول إن الذكريات دي ممكن تفضل مخزنة وتأثر علينا حتى لو مش فاكرينها كويس. زي دراسة لـ “LeDoux” سنة 1996 اللي بتقول إن التجارب العاطفية ممكن تسيب أثر على سلوكنا. الكلام ده انا شرحتة فى المقال السابق٢. العادات والسلوكيات التلقائية:
- العادات اللي بنكررها كتير بتبقى محفوظة في العقل الباطن، يعني لو اتعودت على حاجة معينة، هتعملها من غير ما تفكر، زي السواقة مثلاً. الأبحاث بتأكد إن تكرار السلوكيات بيعززها في العقل الباطن، ودا بيخليها تلقائية.
٣. المعتقدات والقيم:
- المعتقدات اللي جوانا بتتشكل في العقل الباطن وبتأثر على طريقة تفكيرنا في المواقف المختلفة. وفى دراسة نشرت سنة 1977 بتقول إن المعتقدات اللي بنتعلمها في الطفولة ممكن تفضل معانا طول حياتنا وتؤثر علينا.
٤. العواطف وردود الفعل:
- العقل الباطن هو اللي بيتحكم في ردود الفعل العاطفية السريعة، يعني ممكن نلاقي نفسنا بنرد على مواقف معينة بطريقة معينة من غير ما نفكر ليه. الأبحاث في علم الأعصاب بتوضح إن العقل الباطن بيستجيب للمواقف بسرعة بناءً على تجارب سابقة.
من الواضح والمؤكد ان تكرار السلوكيات والتجارب بيعمل برمجه للعقل الباطن وبيخليه يتصرف بشكل تلقائى وبدون تدخل واعى مننا ودى نعمة من ربنا لاننا لما بنتعلم شئ معين او بنحاول نغير حاجه معينه فى شخصياتنا بنتعب عليها فى الاول بعدين بعد فترة بتبقى سهله وتلقائية. بس المشكلة هنا فى العادات والسلوكيات السلبية والقناعات المغلوطة اللى اتعودنا عليها من الماضى واصبحت جزء من برمجة العقل الباطن واللى بتخلينا نتصرف بأشكال احنا غير راضين عنها وبتأثر سلباً على شكل الواقع اللى احنا عايشينه. مثلا، الشخص اللإنطوائى اللى بيتوتر وبيخاف من العلاقات الاجتماعية هو شخص نفسة يكون واثق فى نفسه ومنفتح على الآخرين لكن مش بيقدر يعمل ده لان عقله الباطن متبرمج على سلوك وقناعات بتخلية يتصرف عكس ما يريده عقلة الواعى، وهو ده السر ورا فشل ٩٢٪ من الناس فى احداث التغيير بحسب دراسه قدمتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي.
محاولة التغيير القائمة على المنطق فقط هى محاولة ضعيفة جدا وغير مكتملة الاركان لان ده بمثابة حرب بين ٥٪ من العقل (الواعي) فى مواجهة ٩٥٪ من العقل (اللاواعي – الباطن)
أسباب فشل التغيير السلوكى:
السبب الأول: عدم الوعي بالبرمجه الحالية اللى بتتكون من قناعات مغلوطة وغير داعمة عن السلوك المطلوب تغييره-الجانب ده انا شرحته فى المقال السابق فى اطار العلاقات العاطفية.
السبب الثاني: عدم برمجة وتدريب العقل الباطن على قناعات جديدة داعمة للسلوك المرغوب فيه- ده اللى هتكلم عليه دلوقتى بتقديم احد اشهر التقنيات المستخدمة لبرمجة العقل الباطن.
كيف تبرمج عقلك الباطن على ماتريد
الانسان عنده القدره على تغيير قناعاته وسلوكياته وحتى جيناته ولكن الامر بيتطلب قدر من المعرفة والوعى وتبنى تقنيات عملية تمكنة من التواصل مع عقلة الباطن.

فكر فى الموضوع على انك عندك جهاز كمبيوتر بأحدث الامكانيات (المخ) عليه نظام تشغيل (العقل) نظام التشغيل ده هو النافذه اللى بتسمحلك تستخدم المكونات المادية للجهاز من وحدة التخزين، وكارت الجرافيكس والمعالج المسؤول عن اجراء كافة العمليات زى نقل الملفات، تشغيل البرامج، الاتصال بالانترنت، ازالة البرامج القديمة وتثبت برامج جديدة، الخ.
تخيل الجهاز ده عليه برامج قديمة فيها مشاكل وفيروسات بتخلى نظام التشغيل بطئ وبيهنج كتير وبتمنعك من الاستفادة من سرعة الجهاز ومكوناته عالية الكفاءة. لو اخدت الجهاز ورحت لمركز صيانه عشان يساعدك تحل المشكله دى اول حاجه هيتخلص من البرامج والملفات اللى ملهاش لازمة واللى فيها مشاكل، بعدين هيعمل تحديث او اعادة تثبيت لنظام التشغيل وهيساعدك تنزل اصدارات حديثة من البرامج اللى انت محتاجها عشان تستخدمها فى تحقيق غرضك من الاستخدام بدون مشاكل فى الاداء او السرعة. حل المشكلة مش فى تغيير المكونات (المخ) انما فى العمل على تحسين نظام التشغل (العقل)
لكن عشان موظف الصيانة يعمل التحسين المطلوب فى نظام التشغيل لازم يستخدم كابلات موصلة عشان يقدر يتفاعل مع نظام التشغيل من خلال جهاز اخر، لان بدون كابلات او وسيلة تواصل متوافقه مع نظام التشغيل مستحيل يقدر يتدخل فى تغيير او تطوير اى شئ فى نظام التشغيل، وده بالظبط اللى احنا كمان بنحتاجه واحنا بنحاول نغير ونحسن من مخزون العقل الباطن.
عشان تقدر تعيد برمجة عقلك الباطن من خلال العقل الواعي لازم تستخدم وسائل التواصل المناسبة عشان تقدر تتفاعل مع العقل الباطن وتتمكن من ازالة القناعات القديمة المغلوطة وترسيخ قناعات جديدة داعمة، وسائل التواصل دى هى تقنيات برمجة العقل الباطن اللى نقدر نستعرضها مع بعض بإختصار.
٥ تقنيات عملية لبرمجة العقل الباطن
١. التكرار (Repetition)
التكرار من أهم الوسائل اللي بتساعد في برمجة العقل الباطن. لما تكرر فكرة معينة، سلوك معين، أو تأكيدات إيجابية بشكل مستمر، العقل الباطن بيبدأ يصدقها ويخزنها. زي ما العقل الباطن بيتبرمج على عادات سلبية بالتكرار، ممكن كمان نبرمجه على عادات إيجابية بنفس الطريقة.
- مثال: لو بتقول لنفسك يوميًا “أنا قوي وواثق في نفسي” مع الوقت، العقل الباطن هيبدأ يصدق الجملة دي وهيظهر التأثير ده على سلوكك. خلى بالك ان التوكيدات الإيجابية لازم تكون صادقة وحقيقية عشان تكون فعالة. يعنى لما تقول انا قوى (انت فعلا قوى وفيه مواقف فى حياتك اتعاملت فيها بقوة، اى حد فينا كان قوى فى مواقف معينه فى حياته) ولما بتقول انا واثق فى نفسي (انت فعلا واثق فى نفسك فى احد جوانب حياتك على الاقل، مثلا واثق فى مهارة معينه، واثق فى شكلك، او واثق فى قدرتك على الاصرار) من الامثلة السيئة على التوكيدات الايجابية هو انك تبقى مديون وقاعد تقول لنفسه انا غنى ومعايا فلوس كتير- طبعا عقلك اللاواعى شايف الحقيقة ومش هيصدق الكدب ده.في دراسة نشرت سنة 2010 في مجلة Psychological Science، بيّنت إن التكرار المتواصل للأفكار الإيجابية بيؤدي لزيادة الثقة بالنفس وتحسين الحالة المزاجية.
٢. التأمل والاسترخاء (Meditation and Relaxation)
التأمل والاسترخاء من الطرق الفعالة اللي بتساعد في تهدئة العقل الواعي والتواصل مع العقل الباطن. التأمل بيخلق حالة من الهدوء اللي بتخلي الوصول للعقل الباطن أسهل، وتغيير الأفكار السلبية أو المعتقدات المغلوطة بيبقى أكثر فعالية.
- مثال: جرب تبدأ يومك بجلسة تأمل قصيرة، ركز فيها على التنفس والهدوء الداخلي. بعد شوية هتلاقي إن الأفكار السلبية بتبدأ تقل وبتحس براحة أكبر. افضل وقت تتواصل فيه مع عقلك الباطن بيكون وانت مسترخى مثلا وانت ساجد فى الصلاه، وانت بتدعى ربنا بعد الصلاه، اول ما تصحى من النوم وقبل ما تنام مباشرة. دى اوقات ومواقف تقدر تغذى فيها عقلك بالقناعات الجديدة والافكار الداعمة.وفى دراسة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology سنة 2014 أكدت إن التأمل بيساعد في تقليل التوتر وتحسين الوعي الذاتي، وده بيساهم في تغيير القناعات السلبية المخزنة في العقل الباطن.
٣. التصور الإيجابي (Visualization)
التصور هو إنك تتخيل نفسك في الموقف اللي عايز تحققه أو تتخيل نفسك وانت بتتصرف فيه بالشكل اللى انت عايزه وقادر تتغلب على التحديات. المخ مش بيفرق بين الحقيقة والخيال لما بنتصور حاجة بشكل واقعي، وبالتالي العقل الباطن بيبدأ يشتغل على تخزين الصور وكأنها حصلت بالفعل ومع تكرار التصور بتتحول لسلوك تلقائى وقت الحدث نفسه.
كان فيه مقابلة مع محمد صلاح لاعب الكورة المعروف والمحاور سأله عن اذا كان بيتوقع الطريقة اللى بيحرز بيها اهدافة اللى بيجيها دايما من زوايا غريبة وتحت ضغط – رد محمد صلاح وقال ” ٩٠٪ من الاهداف اللى بحققها انا بكون شايفها فى خيالى ومدرب عقلى عليها ” فى كتير اشخاص متفوقين اتكلموا عن دور برمجة العقل الباطن على اعلى مستوى من الأداء من ضمنهم السباح العالمى مايكل فيليبس اللى حطم الارقام القياسية فى السباحة وحصد اكبر عدد من الميداليات الذهبية فى بطولة الأولمبياد.
- مثال: لو بتتخيل نفسك باستمرار وانت بتتصرف بشكل ناجح فى موقف معين، هتلاقي نفسك بتتحرك في الاتجاه ده من غير ما تحس لما تكون بتمر بالموقف بالفعل.فى كمان دراسة نُشرت في Journal of Consulting and Clinical Psychology سنة 1995 أكدت إن التصور الإيجابي بيساهم بشكل كبير في تحسين الأداء الرياضي وتحقيق الأهداف الشخصية.
٤. الكتابة اليومية (Journaling)
الكتابة اليومية بتمكنك من تفريغ الأفكار والمشاعر على الورق، وده بيساعد في تنظيم الأفكار وتوضيح المعتقدات اللاواعية. كمان، كتابة التوكيدات الإيجابية يوميًا بيساعد في ترسيخها في العقل الباطن.
- مثال: جرب تكتب كل يوم قبل ما تنام ٣ حاجات إيجابية حصلت لك، ده هيغير نظرتك للأمور وهيبرمج عقلك الباطن على التركيز على الإيجابيات. وممكن كمان تكتب ٣ نفسك تحققهم تانى يوم وتخيل نفسك وانت بتحققهم ده هيساعد عقلك الباطن يستعد اثناء ساعات النوم.
٥. التنويم المغناطيسي الذاتي (Self-Hypnosis)
التنويم المغناطيسي الذاتي هو تقنية بتستخدمها عشان تحط نفسك في حالة استرخاء عميق، وبعدها بتبدأ تزرع أفكار أو معتقدات جديدة في عقلك الباطن. التقنية دي ممكن تكون فعالة جدًا في تغيير العادات السلبية أو البرمجات القديمة.
انا شخصيا استخدمتها كتير ولازلت بستخدمها فى تعزيز حبى وتقديرى لنفسى وترسيخ قناعات داعمة للنجاح والسعادة.
- مثال: لو عايز تقلع عن عادة سيئة زي التدخين، ممكن تجرب التنويم المغناطيسي الذاتي وتكرر لنفسك إنك مش محتاج للسجائر وإنك قادر على العيش من غيرها. وبالمناسبة فى دراسات اثبتت فاعلية التنويم المغناطيسى فى الاقلاع عن العادات السلبية زى التدخين وكان انجح بكتير من الوسائل البديلة فى الاقلاع عن التدخين.
فى ناس عندها تحفظ على تقنية التنويم المغناطيسى لكنى اكيد مش واحد منهم لانى جربتها وساعدتنى كتير.
الخلاصة
تقنيات برمجة العقل الباطن مش مجرد أفكار نظرية، دي أدوات عملية ممكن نستخدمها عشان نغير حياتنا ونحقق أهدافنا. التكرار، التأمل، التصور، الكتابة اليومية، والتنويم المغناطيسي الذاتي كلها وسائل بتمكنك من التواصل مع عقلك الباطن وإعادة برمجته بالطريقة اللي تدعم تطورك الشخصي وتحقيق أهدافك.
مهم إنك تبدأ تجرب وتستكشف التقنيات دي بنفسك، لأن كل شخص ممكن يلاقي تقنية معينة بتناسبه أكتر. وافتكر إن التغيير مش بيحصل في يوم وليلة، لكن بالاستمرارية والالتزام هتقدر تبرمج عقلك الباطن وتحقق التغيير اللي بتسعى ليه.


