في دراسه اتعملت في جامعة هارفارد واستمرت لمدة ٧٥ سنه وهي واحدة من أطول الدراسات في العالم الي بتهدف الى فهم العوامل الرئيسية اللي قد تتنبأ بطول العمر وتحقيق السعادة والنجاح في حياة الأشخاص. الدراسه شملت مجموعتين من الناس:
- المجموعة الاولى: ٤٥٦ شخص فقير من سنة ١٩٣٩ لـ ٢٠١٤
- المجموعة الثانية: ٤٦٨ خريج من دفعات جامعة هارفارد من ١٩٣٩ لـ ١٩٤٤
بعد سنين طويلة من المتابعة والفحوصات المختلفة (زي تحاليل الدم وأشعة المخ) للأشخاص المشتركين في الدراسه، توصلت في النهاية لاستنتاج واضح جدًا: العلاقات الاجتماعية القوية هي العامل الأكثر تأثيراً.
ورغم إن دراسة هارفارد دي تعتبر حجر الأساس، إلا إن في أبحاث تانية بتأكد أهمية العلاقات الإنسانية..
في تحليل شامل لعدة دراسات، اتضح إن الأشخاص اللي عندهم علاقات اجتماعية قوية بيكون عندهم فرصة يعيشوا اطول بنسبة ٥٠%! يعني ببساطة، لو عندك علاقات اجتماعية قوية وداعمة، فرصتك في الحياة لفترة أطول بتزيد ٥٠٪، ده الى جانب تحقيق مزيد من النجاح والسعاده مقارنه بالاشخاص المفتقدين لنفس النوع ده من العلاقات.
كل حاجة في حياتك تقريبًا بتتأثر بالناس اللي حواليك، وبالطريقة اللي بيدعموك بيها.
مثلاً، الصدمات اللي بنتعرض لها وإحنا أطفال مش بتتحدد بدرجة صعوبة الحدث اللى حصل، لكن بالأثر النفسي اللي الحدث تركه جوانا، زي ما قال د. جابور ماتيه – خبير الصحة النفسية وعلاج الصدمات. يعني لو عدّيت بتجربة صعبة وكان معاك حد يساعدك على التعامل معاها، هتتعافى منها بسرعة. لكن لو كنت لوحدك، هتبدأ تكتئب وتعزل نفسك، وده ممكن يخليك تعاني من الألم ده طول حياتك.
الاستنتاج ده بيفرض على كل شخص فينا التوقف قليلا لإعادة النظر فى شكل وجودة علاقاته الاجتماعية الحاليه واتخاذ نوعين من الإجراءات السريعة لتصحيح وضعه. والاجراءات بتنقسم الى التخلص من العلاقات الداعمه وبناء علاقات داعمه. وهو ده بالظبط اللى اللى هندخل في تفاصيله فورا علشان تعرف كيفية تنفيذه.
١. التخلص من العلاقات الغير داعمة
العلاقات اللي حوالينا بتأثر علينا بشكل كبير، ومش كل علاقة بتكون داعمة لينا. أحيانًا، بيكون في ناس وجودهم بيستهلك طاقتنا وبيسبب لنا ضغط نفسي. علشان كده، مهم نعرف إمتى وازاي نبعد عن العلاقات اللي مش بتضيف لحياتنا.
من الضروري تقييم كل علاقة بشكل منفرد وتركز على الاشخاص اللى بتقضي معاهم اغلب وقتك لان زى ما ممكن يكون ليهم تأثير ايجابي وداعم لحياتهم الا ان بعضهم ممكن يكون سبب في تدميرها وانت مش واخد بالك. هقدملك بعض الافكار اللى ممكن تساعدك:
١. إبدأ بتقييم العلاقة:
اسأل نفسك، هل العلاقة دي بتدعمني ولا بتستهلكني؟ هل فيها توازن ولا دايمًا ببذل مجهود من طرف واحد للحفاظ عليها؟ لو الإجابة سلبية، يبقي لازم تعيد النظر فيها. من اكتر المؤشرات الداله على صحة علاقتك بشخص ما هى مستوي الطاقه اللى بتكون عندك فى وجود هذا الشخص.
راقب مستوي طاقتك النفسيه فى حضور الشخص او بعد الانتهاء من لقائك به.
عقلك ممكن يغرق فى عملية التحليل لسلوك وعقليه الشخص انما طاقتك النفسيه تعتبر الاجابه السريعه المباشره عن جودة العلاقه وما اذا كان الشخص ده هيكون بيمثل اضافه لحياتك ولا هيكون صاحب تأثير سلبي ومعرقل. لو ركزت في مستوي طاقتك هتعرف الاجابه بدون مجهود.
٢. ارسم حدود واضحة:
قلل التواصل والوقت اللي بتقضيه مع الشخص اللى تأكدت ان علاقته بيك غير داعمة، ولو تطلب الامر عبّر عن متطلباتك بوضوح زي انك بتبحث عن الاحترام والتقدير المتبادل في العلاقة، او انك مش بتقبل لغة الاحباط المستمرة او السلبية في علاقاتك الشخصية او انك مش بتحب تضيع وقت على مواضيع او انشطه غير مناسبه لقيمك. خليك واضح وصادق مع نفسك وارفع معاييرك الشخصيه في العلاقات لان العلاقات الغير داعمه اللي في حياتك دلوقتي هي مجرد انعكاس للمعايير اللى انت عايش بيها مع نفسك.
٣. حافظ علي مساحتك الشخصية:
لو العلاقة ضاغطة جدًا اواللي بيصعب التخلص منها، واجه الشخص باحترام ووضح احتياجك للمساحة الشخصيه وخليك ثابت على موقفك. بعض العلاقات بتكون صعب تبعد عنها زي بعض افراد اسرتك او احد زملائك في العمل، في الحاله دي مهم تحافظ على الاقل على خصوصيتك ومساحتك الشخصيه، ده حق كل انسان، وبالتالي من حق تعرف الطرف الاخر انك محتاج تكون لوحدك شويه او انك مش عايز تخرج لانك مشغول او عندك سبب اهم وهكذا.
على الجانب الاخر، اسحب ايديك من العلاقه تدريجيا، افضل طريقه بالنسبالي هى عدم المبادرة بالكلام، واختصار اي موضوع بردود بسيطة ومحايده وعدم الاسهام بتفاصيل او معلومات شخصيه الا اذا كان الموضوع ضروري ويعنيك في المقام الاول. وطبعا عدم مشاركة الاهداف، الخطط او النوايا الشخصيه مع اي شخص تبين انه غير داعم فى علاقته بك.
التخلص من العلاقات المؤذية او الغير داعمة قرار مهم لصحتك النفسية، وبيساعدك تركز على نفسك وأهدافك، والاهم انه بيوفر لك مساحه للتعرف على وبناء علاقات اجتماعيه جديدة قد تجد فيها الدعم اللى تستحقه. ممكن تتخلص من ٥ علاقات وتحافظ بس على علاقة واحده داعمه تغنيك عن باقي العلاقات.
نجاح علاقاتك الاجتماعيه مش بكثرتها، انما بجودتها.
٢. بناء وتعزيز العلاقات الداعمة
العلاقات الداعمة مش بس بتخلينا نحس بالسعادة، لكنها كمان بتساعدنا نواجه تحديات الحياة بثقة وقوة. وجود ناس في حياتنا بيشجعونا، بيسمعونا، وبيقفوا جنبنا وقت الحاجة بيكون له تأثير كبير على صحتنا النفسية ونجاحنا. علشان كده، بناء وتعزيز العلاقات الإيجابية بيحتاج وعي وجهد، لانه مش هيحصل صدفة. الأفكار دي هتساعدك:
١. ابدأ بنفسك :
العلاقات القوية مبنية على العطاء المتبادل، علشان كده ضروري تبدأ بنفسك.
هل بتعتبر نفسك شخص داعم للناس اللى فى حياتك؟ علشان تكون شخص داعم خليك حريص انك تكون:
- بتسمع باهتمام لما حد يشاركك مشاعره أو مشاكله.
- بتساعد اللي حواليك وقت الحاجه ولما تتوفر لك القدرة على المساعدة.
- بتقدم لهم الدعم العاطفي والنفسي فى لحظات الضعف والانكسار.
- بتصدق فى قدراتهم وبتشجعهم على تحقيق اهدافهم.
- بتعبر عن حبك وتقديرك لوجودهم فى حياتك بالقول والفعل.
لو بتبحث عن علاقات داعمه فى حياتك، يكفى انك تعرف ان كل انسان هيقدملك الدعم هو كمان فى حاجه الى الدعم، وزي ما انت بتقيم علاقاتك بالناس وبتقرر تقرب او تبعد عن مين، هم كمان بيقيموا علاقتهم بيك وبيقرروا اذا كنت تستحق تكون شخص مهم في حياتهم ولا لأ.
أعمق العلاقات وأجملها بتتبني على مبدأ بسيط جدًا: العطاء والامتنان.
لما يكون تركيزك على اللي تقدر تقدمه مش اللي هتاخده، العلاقة بتتحول لهدية ليك وللطرف التاني. العطاء بدون توقع مقابل شيء أساسي في العلاقات الداعمة، وكمان التعبير عن الامتنان. في دراسة اتعملت، اتضح إن التعبير عن الامتنان بيأثر بشكل إيجابي على الشخص التاني بشكل كبير، وبيخليه:
- يحس بقيمته أكتر
- يبقى عنده ثقة أكبر في نفسه
- يتصرف بشكل إيجابي مع المجتمع بشكل عام
- يقدر يتعامل مع تحديات الحياة بشكل أقوى
لو انت بتعامل الناس بالشكل ده، طبيعي انك تتوقع المعامله بالمثل وبالتالى هتقدر تلاحظ بسهوله مين اللى بيقدر عطاءك وبيحرص على دعمك ومين اللى عايز ياخد بس بدون ما يقدم اى شئ في المقابل. عطائك وقيمك فى التعامل مع الآخر بتكون هى المعايير اللى بتجمعك بالاشخاص اللى شبهك، والطيور على اشكالها تقع.
٢. اختار الأشخاص الصح :
مش أي حد ينفع يكون جزء من دائرتك القريبة، اختيار الاشخاص الصح لا يعني اختيار اشخاص بصفات ملائكية، لكن بيعني اختيار اشخاص بيغلطوا زيك ولكن تبين لك من سلوكياتهم ان جوهرهم طيب وبيحاولوا جاهدين انهم يكونوا افضل نسخة من نفسهم وعندهم رصيد من العطاء والدعم يفوق كل اخفاقتهم اللى بتحصل كل حين والآخر بسبب ظروف اقوي منهم، ركّز على الناس اللي:
- عندهم قيم قريبة من قيمك.
- بيدعموك وقت الصعب مش بس في الفرح.
- بيتعاملوا معاك باحترام وتقدير.
- بيطورا نفسهم وعندهم اهداف.
من الذكاء الاجتماعي هو انك تنظر لسلوكيات الاشخاص بدل ما تحكم عليهم من موقف واحد. الموقف او التصرف الواحد لا يعبر عن حقيقة الشخص. ممكن يكون الشخص محترم جدا وهادئ ٩٠٪ من الوقت وتصادف انك تشوفه فى موقف استثنائي تعرض فيه لضغط نفسى وفقد اعصابه. لو حكمت عليه انه انسان متهور هتكون مخطئ لانك تجهل سلوكه العام فى الحياة اللى هو الهدوء والتحكم فى الذات. علشان كده انصحك تركز اكتر على سلوك الاشخاص لان السلوك هو فعل متكرر يتعلق بطبيعة الشخص وليس الموقف.
فهم الناس وادراك الطبائع شىء مش سهل وبيحتاج لخبرة طويله وصبر على التعامل مع مختلف الاشخاص ولكن من واقع تجربتي الشخصية بشوف ان الانسان اللى بيقدر يفهم نفسه بعمق كافى بيقدر يفهم الناس بنفس العمق اللى توصل اليه فى علاقته بنفسه، وده بعتبره اسرع طريق لفهم الآخرين.
٣. حُلّ الخلافات بحكمة :
الخلافات جزء طبيعي من أي علاقة، سواء كانت صداقة، شراكة، أو حتى علاقة عائلية. سبب نجاح العلاقات واستمرار لا يكمن فى تجنب الخلافات، لكن في نجاح التعامل معها. التعامل بحكمة مع المشاكل بيساعد على تقوية العلاقة بدل ما يضعفها، وده بيحتاج تواصل هادي، تفهُّم، ورغبة حقيقية في الحل. تقدر تحل تقريبا معظم خلافاتك مع الاشخاص المهمين في حياتك لو اخدت بالك من ٣ عوامل مهمه فى ادارة الخلافات الشخصية:
- واجه المشكلة بدل ما تتجنبها: التجاهل مش بيحل أي حاجة، بالعكس بيخلق حاله من الغموض ومساحه لسوء الظن والتحليل الخاطئ وكل ده بيزيد التوتر وبعد فتره بيتحول الى جفاء ولا مبالاه. حاول تتكلم عن المشكلة في اقرب فرصه وبطريقة هادية. المواجهه شجاعه للاسف مش موجوده عند اغلب الناس وغيابها بيكون سبب فى زيادة حجم المشكله او الخلاف مهما كانت بسيط.
- اسمع الطرف التاني باهتمام: أحيانًا المشكلة الحقيقية مش في الخلاف نفسه، لكن في الشعور بعدم الفهم. احيانا المواقف البسيطه بتسبب زعل او سوء تفاهم عند طرف، والطرف الاخر بيشوف ان السبب تافه او غير منطقي وان الطرف الغضبان معندوش حق او رده فعله مبالغ فيها، هنا لازم تعرف ان المشكله مش فى الحدث او الموقف انما فى تفسير الشخص لها، علشان كده ما تحكمش قبل ما تسمع من الطرف الاخر. اسمع بدون مقاطعة وحاول تفهم وجهة نظر الشخص التاني وتفهم ايه بالظبط اللى ضايقه.
- اتجنب العناد والانتقاد السلبي: الجدال العنيف والانتقاد المستمر ممكن يهدم أي علاقة مهما كانت قوية. ركّز على الحل بدل ما تركز على اللوم، وخلّي هدفك إنكم توصلوا لنقطة تفاهم. بعد ما تفهم الطرف الاخر اكد فهمك للى سمعته وعيد بعض النقاط الرئيسيه اللى اتكلم فيها وعرفه انك متفهم تماما ردته فعله. لو اكتشتف انك مخطئ اعترف فورا واعتذر عن الخطأ بعدين اشرح وجهتك نظرك واثبتله حسن نيتك.
العلاقات المهمه الداعمه فى حياتنا تعتبر من اكبر النعم وضروري نحافظ عليها ونستثمر فيها ونديرها بشكل ناجح. مش بسهوله تقدر تنهي علاقه بشخص عزيز عليك بينكم ماضي ومستقبل مشترك، بس عشان خلاف او سوء تفاهم، علشان كده انا بعتبر ادارة الخلافات الشخصية مهارة ضرورية للحفاظ على العلاقات الداعمه وتعزيزها.
الخلاصة
العلاقات الاجتماعية مش مجرد رفاهية أو جزء ثانوي من حياتنا، لكنها عنصر أساسي بيؤثر على سعادتنا وصحتنا النفسية وحتى طول عمرنا. لو عايز تحس بتحسن حقيقي في حياتك، راجع علاقاتك، اتخلص من العلاقات المستنزِفة، وابني شبكة قوية من العلاقات الداعمة. الحياة فيها ما يكفي من الضغوط والتحديات، وامتلاكك لدائرة قريبة من الناس اللي بيدعموك ويفهموك يعتبر احد أهم القرارات اللي ممكن تاخدها علشان تحقق التوازن والاستقرار النفسى وتشعر بالسعاده والامان وتقوي نفسيا وعقليا على موجهة مختلف التحديات خلال رحلة حياتك.


