
عمرك قعدت تفكر في قرار اخدته وحسيت إن فيه صوت جواك بيقولك ” انت عملت الصح” بعدين تكتشف انه كان احد أسوء القرارات اللي اخدتها في حياتك؟
ممكن تكون قررت تسيب شغل، تبدأ مشروع جديد، أو حتى تخرج من علاقة استمرت سنين. بس بعدها بفترة، تلاقي نفسك بتسأل: “هو انا ممكن اكون استعجلت؟” او “يمكن كان لازم اصبر شوية؟” الشك ده طبيعي، لكن لما يستمر ويستحوذ علي جزء من تفكيرك مش بس بيخليك تندم على قرارك لكن كمان بيفقدك الثقة في قدرتك علي اتخاذ جديدة في المستقبل.
يمكن تكون عايز تاخد قرار كبير وبقالك فترة طويلة قاعد تفكر وخايف من الخطوة بسبب بعض القرارات الغير صحيحة اللى اتخذتها في الماضي وسببت لك خسائر بشكل او بآخر.
السبب الرئيسي اللي بيخلينا نشعر بالتردد والحيرة قبل اتخاذ القرارات، والشك في صحتها بعد اتخاذها هو الخوف من المجهول.
العقل مش بيحب المجهول وبيحاول يقاومه. احد آليات العقل لحماية الانسان هو التمسك بالمألوف لان المجهول قد يحمل في طياته مخاطر غير متوقعه، عشان كده لما بنفكر في قرار جديد، او بنكون علي وشك إحداث تغيير جذري في احد جوانب حياتنا، العقل بيعيد الحسابات ألف مرة، وده بيخليك تدخل في حالة من التفكير المفرط والتحليل ومحاولة توقع كل السيناريوهات المحتملة وكيفية التعامل معها.
التفكير المفرط بيبطئ عملية اتخاذ القرار وقد يؤدي لحالة معروفة بشلل التحليل. حتي بعد اتخاذ القرار لو لاقيت نفسك بتتعامل مع سيناريوا او تحدي غير متوقع تشعر بشئ من فقدان التحكم وهتبدأ تشك في صحة القرار وتحس انك استعجلت.
خلينا ناخد مثال..
أحمد قرر يسيب الوظيفة عشان يفتح مشروعه الخاص بعد ما حسب كل المخاطر المحتمله واستعد لها.
في الأول كان متحمس وواثق من صحة قراره، بس بعد شوية بدأ يواجه عقبات وتحديات مادية غير متوقعه، وهنا بدأ يشك في صحة قراره ويندم عليه ويقول “انا لو كنت فضلت في الوظيفه كان زماني محافظ علي دخل ثابت بدل المشاكل اللى دخلت نفسي فيها”
الاسوأ من انك تستعجل في اتخاذ قرار كبير هو انك تندم علي قرار اخدته بعد تفكير وتحضير.
كل القرارت ليها عواقب، ونجاح القرارات بيعتمد بشكل كبير علي ايمانك بصحتها والتزامك بتنفيذها. عشان تكون مؤمن تماما بصحة قراراتك وتتمسك بيها رغم كل العقبات او التحديات اللي ممكن تواجهك اثناء تنفيذها، لابد من وجود علامات تثبت لك صحة قرارتك وتطمنك انك علي الطريق الصح.
هتتعرف دلوقتي علي الخمس علامات اللى لو توفروا في اي قرار، تأكد انك علي الطريق الصح، ابحث عن العلامات الخمسة في كل قرار عشان تقدر تتخذ قرارات كبيرة وجريئة بسرعه ومش هتندم عليها.
خمس علامات تأكد لك صحة أي قرار
1. العلامة الأولى: الراحة القلبية
لما تاخد قرار صح، حتى لو كان صعب، هتحس براحة قلبية، كأنك من جواك عارف إنك اخترت الصح، على عكس القرارات الغلط اللى بتحسسك انك شخص ماتعرفوش. سبب الراحة القلبية هو الانسجام بين سلوك الشخص وما يؤمن به.
في مصطلح علمي اسمه “التنافر المعرفي Cognitive Disonance” دي حالة من الصراع الداخلي بتحصل لما سلوكياتنا تكون بتتعارض مع قيمنا وقناعتنا الشخصية.
مثلا، لو انت شخص بتُعلي قيم الحرية والاستقلالية, واخترت تشتغل وظيفة بتفرض عليك قيود كتير وبتجبرك تتصرف عكس قيمك، هنا هتكون دايما في حالة من عدم الرضا او السخط حتي لو كنت بتحصل منها علي دخل كبير وعايش بسببها في مستوي اجتماعي راقي.
في المقابل، لو قررت تبدأ مشروع خاص بك او تسعي للعمل علي شئ يقدملك مساحه من العمل بشكل حر ومستقل هتحس فورا انك مستريح للقرار ببساطه لانه منسجم مع قيمك الشخصية حتي لو كنت بتواجه في مشروعك تحديات اكتر من الوظيفة!
الراحة القلبية تجاه القرار تعتبر دليل قوي علي مدي توافق القرار مع قيمك الشخصية.
صلاة الاستخارة من السنن المعروفه والمتبعة لاستشعار هذه العلامة لانها بشكل ما بتخلي الانسان يستحضر قيمه ومعتقداته وينتبه اكتر للحدث الداخلي ولما ده بيحصل بيكون قادر يشعر اما بالقبول او النفور من القرار قبل اتخاذه بحسب ماذا كان متوافق او متعارض مع قيمة او مايؤمن به.
الراحة القلبية علامة مهمة جدا لكن لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل ولا يجب ايضاً الاصرار علي اتخاذ قرار بدون التحقق منها، عشان كده من الطبيعي انك تشعر بالتوتر حتي لو قلبك مستريح للقرار.
التوتر هنا يعتبر نداء من العقل لاستخدام المنطق في عملية اتخاذ القرار لتمكينه من طرق فعالة للتعامل مع المجهول وما يحمله من مخاطر محتمله، وبالتالي لابد من البحث عن باقي العلامات الدالة علي صحة القرار زي ما هتتعرف عليها خلال المقال.
٢. العلامة الثانية: القرار منسجم مع أهم أهدافك
القرارات الصح مش بتاخدك بعيد عن طريقك، بالعكس، بتقربك أكتر من اللي عايز توصله. كل قرار بتاخده هو بمثابة خطوة على طريق رحلتك، ولو الخطوة دي مش رايحة في الاتجاه الصحيح، يبقى غالبًا القرار مش الأفضل ليك.
في علم النفس، في مفهوم اسمه “التناسق الذاتي” (Self-Consistency)، بيقول إن الشخص بيحس بارتياح نفسي لما يكون تصرفه متسق مع رؤيته لحياته وأهدافه.
على سبيل المثال،
لو هدفك الأساسي هو إنك تكون رائد أعمال ناجح، ووصلك عرض وظيفة مستقرة لكن بعيدة تمامًا عن مجال نفسك تنجح فيه، هتحس بصراع داخلي حتى لو المرتب مغري.
لكن، لو عرض الوظيفة بيساعدك تكتسب مهارات مطلوبة لمشروعك المستقبلي، هنا القرار هيكون أكتر انسجامًا مع هدفك، وبالتالي هيكون اكثر منطقية وقائم على نفس الدافع.
القرارات الصح بتكون جزء من صورة أكبر، وكل ما كان قرارك بيتماشى مع رؤيتك، كل ما كان مؤشر على إنه في الاتجاه الصحيح.
عشان تتحقق من انسجام القرار مع أهدافك، اسأل نفسك:
- هل القرار ده بيقربني ولا بيبعدني عن هدفي؟
- لو فضلت مستمر في الاتجاه ده، فين هكون بعد سنة أو خمس سنين؟
- هل القرار ده بيضيف قيمة لحياتي أو مجرد حل مؤقت لمشكلة حالية؟
٣. العلامة الثالثة: دعم اصحاب الخبرة
فيه حاجة اسمها “التحقق الاجتماعي Social Proof”، وهي إننا كبشر بنتأثر بآراء الناس اللي بنحترمهم وبنعتبرهم مرجعية في حياتنا. طبعًا ده مش معناه إنك تعتمد بالكامل على رأي الآخرين، لكن لو في ناس بتثق فيهم بيشوفوا قرارك منطقي وواقعي، فده بيضيف لقرارك مصداقية.
احيانا لما تكون متحمس لقرار معين ممكن تتصرف بعاطفة وبسبب التحيز الشعوري ده ممكن تتجاهل بعض التفاصيل المهمة والنتيجة بتكون قرارات غير منطقية او غير مدروسه بشكل صحيح.
الاشخاص اللي حواليك بالأخص اصحاب الخبرة بيكونوا خارج الاطار العاطفي اللي مخليك اما متحيز جدا لقرارك او خايف منه وبالتالي بيقدروا يساعدوك تشوف القرار من زاوية اكثر منطقية وتفهم التحديات والفرص المحتمله وتقيم مدي قدرتك او استعدادك للتعامل معها.
الدعم هنا مش معناه إن الكل لازم يوافق ١٠٠٪ على قرارك، لكن لما تلاقي ناس عندها خبرة أو نظرة موضوعية بتأكدلك منطقية القرار، ده شئ بيطمنك إنك مش بتتحرك من دافع شعوري فقط لكن كمان من دافع منطقي.
مثلا، لو قررت تهاجر لبلد ما عشان تبحث عن فرص عمل وحياة افضل، ممكن تلاقي ردود فعل مختلفة من الناس اللي حواليك، منهم اللى هيقولك بلاش تعمل كده ومنهم اللي هيشجعك لكن لو هتسمع لحد يبقي اسمع بس للاشخاص اللي مروا بنفس التجربة لانهم هيقدروا يعرفوك التحديات المحتملة ويساعدوك تتأكد من استعدادك للتعامل معها، ولو كان رأيهم داعم لمنطقية القرار دي هتكون علامة علي صحة القرار ومن المؤكد انهم هيقدمولك بعض النصائح اللى تساعدك تستعد أفضل لتنفيذ قرارك.
ولو عندك قناعة بالقرار لكن الناس القريبين او اصحاب الخبرة معترضين وبينصحوك بعد الاقدام علي اتخاذ القرار، اسمع أسبابهم، قيم وجهات نظرهم، لكن في النهاية القرار قرارك، لأن مافيش حد هيتحمل تبعاته غيرك.
٤. العلامة الرابعة: النتائج الأولية مشجعة
القرارات الصح بيكون ليها مؤشرات ايجابية من البداية حتي لو كانت بسيطة او متواضعه جدا. زي ما قال الامام ابن عطاء الله السكندري “من أشرقت بداياته، أشرقت نهاياته”
لما تبدأ تشوف إشارات إيجابية بعد اتخاذ القرار، زي إحساسك إنك قادر تركز وتنتج اكتر، أو إنك بتتعلم حاجات جديدة بسرعة، أو حتى مجرد إنك حاسس بطاقة أفضل، ده معناه إنك ماشي في الاتجاه الصح.
مثلًا، لو قررت تبدأ نظام صحي جديد، والنتائج الأولى كانت إنك حاسس بطاقة أحسن حتى قبل ما تخسر وزن، ده دليل إن القرار مناسب ليك. نفس الفكرة لو أخدت قرار مهني جديد، وحسيت إنك بتتعلم مهارات جديدة مفيدة لمستقبلك أو بدأت تلاحظ انسجام بين نقاط قوتك وبين نوعية المهام اللى بتعملها، كل ده من المؤشرات الإيجابية الدالة على صحة القرار.
لما اخدت قرار انى اتعلم الكوتشنج كنت مطمئن جدا للقرار لأنه منسجم مع قيمي الشخصية زي تطوير الذات ومساعدة الآخرين. بعد ما بدأت اتعلم لاحظت اني بتعلم بسهولة واني متحمس وعندي فضول كبير اعرف اكتر واجرب.
دي كانت المؤشرات الاولية اللى شجعتني استثمر فلوس ووقت اكبر فى دراسة الكوتشنج بشكل احترافى، ولما بدأت اعمل جلسات مجانية عشان اتعلم ممارسة الكوتشنج صممت استبيان يساعدني اعرف رأي العملاء بعد كل جلسة عشان اتأكد من فاعلية الخدمة اللى بقدمها (مزيد من المؤشرات الإيجابية) ولما تأكدت اني جاهز اشتغل في المجال ده واضيف قيمة اخدت القرار واعلنت عن الخدمة بشكل رسمي.
اللي بيدعم التمسك او الالتزام بتنفيذ قرار معين هو المؤشرات الأولية اللى بتعزز صحته.
ماتربطش صحة القرار بتحقيق نتائج كبيرة من البداية، بدل ما تركز علي النتيجة ابحث عن المؤشرات الإيجابية البسيطه اللى بتظهر في مستوي ادائك او فى ردود الأفعال من بيئتك المحيطة. المؤشرات دي هتفضل تغذي ثقتك وتشجعك على الاستمرار وهتعزز ايمانك بقدرتك على النجاح.
٥. العلامة الخامسة: القرار يقدم لك مزيداً من الحرية
لما تاخد قرار وتحس بعده إن عندك اختيارات أكتر، أو إنك مش محكوم بقيود مفروضة عليك، فده علامة قوية على إنه قرار موفق، عكس القرارت الغير صحيحة اللى بتفرض عليك مزيد من القيود وبتجبرك علي التصرف عكس ما ترغب.
فيه مفهوم مهم في علم النفس اسمه “نظرية تقرير المصير Self-Determination Theory”، بيوضح إن الشعور بالحرية والاستقلالية من أهم العوامل اللي بتأثر على سعادتنا ورضانا عن حياتنا.
حياتنا فيها ٤ انواع من الحرية بنسعي لهم طول الوقت حتي لو كنا غير مدركين لهم، وهم حرية الوقت، حرية المال، حرية العلاقات، وحرية العمل. تعالي اشرحلك كل نوع بإختصار:
حرية الوقت: هي قدرتك على التحكم في وقتك بدون قيود خارجية تمنعك من استغلاله زي مانت عايز. لو عندك حرية وقت، مش مضطر تلتزم بجدول صارم يفرضه عليك شغلك أو التزاماتك، وبتقدر تقرر إمتى تشتغل، إمتى تستريح، وإمتى تستمتع بحياتك.
هل قرارك هيوفرك وقت اكتر او هيساعدك على استغلال وقتك بشكل افضل؟
حرية المال: هي إن يكون عندك مصادر دخل مستقرة أو متنوعة، بحيث متضطرش تشتغل في حاجة مش بتحبها لمجرد إنك محتاج فلوس. حرية المال مش معناها إنك تكون غني جدًا، لكن إن يكون عندك استقلالية مالية تغنيك عن اتخاذ قرارات مضغوطة بسبب احتياجك للمال.
هل قرارك هيساعدك في زيادة او تنويع مصادر دخلك؟
حرية العلاقات: هي إن علاقاتك تكون مبنية على الاختيار، مش على الحاجة أو الإجبار. الشخص اللي عنده حرية علاقات بيقدر يحيط نفسه بأشخاص بيحترموه ويدعموه، ومش مضطر يستمر في علاقات سامة أو غير مريحة بسبب ضغط اجتماعي أو ظروف عمل تجبره يتعامل مع ناس هو مش طايقهم او مدير عن مشاكل نفسية.
يعني الشخص اللي بيشتغل في وظيفة معينة بس لأنه خايف يزعل أهله، أو اللي بيبقى في علاقة مؤذية لمجرد إنه مش قادر يخرج منها، ده شخص معندوش حرية في علاقاته. بينما الشخص اللي يقدر يقرر إنهاء أي علاقة مش بتضيف له قيمة هو شخص عنده حرية في العلاقات.
هل قرارك هيساعدك تتخلص من بعض العلاقات المؤذية، او تكوين علاقات داعمة؟
حرية العمل: هي إن يكون عندك القدرة على اختيار نوع العمل اللي يناسبك، فابدل ماتكون عايش حياتك بتشتغل في حاجه غصب عنك بتحقق فيها اهداف الآخرين، بيكون عندك فرصه اكبر للعمل علي اهدافك بحرية بالطريقة اللى انت عايزها. الشخص اللي عنده حرية العمل بيشتغل في المجال اللي بيحبه وبيقدر يبدع فيه، وبيكون عنده القدرة على تغيره وقت ما يحب.
مثلا، شخص بيحب تصميم الجرافيك او البرمجة، لكنه مضطر يشتغل في شركة براتب ثابت بدل ما يبدأ مشروعه الخاص بسبب الخوف من الفشل، هنا هو مفتقد لحرية العمل. بينما شخص عنده القدرة على اختيار المشاريع اللي تناسبه أو عنده مهارات تخليه يشتغل بحرية، فهو عنده حرية عمل أكبر.
هل قرارك هيساعدك تعمل حاجه بتحبها ومناسبة اكتر لمهارتك ونقاط قوتك؟
كل نوع من انواع الحرية الاربعة بيأثر فى الباقي. مثلًا، لو عندك (حرية مالية)، هتقدر تختار شغلك (حرية العمل) وهتقدر تتحكم في وقتك اكتر (حرية الوقت). ولو عندك الثلاثه هيكون عندك (حرية علاقات)، مش هتكون مضطر تبقى مع ناس بتأثر عليك سلبًا لمجرد إنك مضطر.
من علامات القرار الصحيح انه يكون بيساهم على الاقل في زيادة احد انواع الحريات الأربعة.
الخلاصة
اتخاذ القرارات بالأخص الكبيرة دايمًا بيحمل معاه قدر من التردد والخوف. وجود علامات واضحة تساعدك في تقييم صحة القرار بيخليك أكتر ثقة وقدرة على إتخاذه في وقت أسرع والالتزام بتنفيذه.
العلامات الخمسة مش مجرد إشارات عشوائية، لكنها أدوات عملية بتساعدك على التأكد إن قرارك مش بس معتمد على العاطفة أو الاندفاع، لكنه مدروس ومتزن، وده مش بس بيحسن جودة قراراتك، لكنه كمان بيعزز ثقتك في نفسك وفي قدرتك على اتخاذ قرارات صحيحة في المستقبل.
في النهاية، القرارات الصح مش معناها إنها خالية من الصعوبات أو العقبات، لكن ايمانك إنك اخترت الطريق المناسب ليك وانك اخدت بالأسباب بيخلوك واثق من قدرتك علي التعامل مع اي تحدي.
قبل ما تاخد قرار جديد، اسأل نفسك: هل العلامات دي موجودة؟ لو الإجابة نعم، فأنت على الطريق الصحيح. انطلق!


