الإلتزام في كلمتين : رفض واستثمار

الالتزام هو قدرة الشخص على الوفاء بوعوده وتنفيذ قراراته باستمرار.

من فتره بدأت احلل سلوكيات اشهر المحترفين من رياضين، رواد اعمال، مؤثرين وكتاب وحتي مطربين وممثلين في الوطن العربي وخارجه، عشان افهم ايه المشترك بينهم، ايه اللي بيعملوه بالظبط بيخليهم قادرين يلتزموا بشئ معين لسنين طويلة، والاهم، ايه الثمن اللي بيدفعوه للوصول للدرجة العاليه دي من الالتزام. 

عندي ليك خبر كويس وخبر وحش.

الخبر الكويس هو ان سلوك الشخص الملتزم بيتلخص في كلمتين بس.

الخبر الوحش ان تطبيق الكلمتين دول في حياتك اصعب حاجه ممكن تعملها.

في قرارت صعبة بتخلي حياتنا سهله، وتطبيقك للكلمتين اللي هتتعلمهم دلوقتي مش بس هيخلي حياتك سهله لكن هيحولك لانسان صاحب ارادة وعزيمة واصرار صعب الظروف تكسره، ومافيش حاجه ممكن تخليك تتوقف عن السعي لهدفك الا هدف اكبر منه.

الاشخاص الملتزمين بيعملوا حاجتين يوميا هم الرفض والإستثمار.


١.الإلتزام رفض

“الأشخاص الفعّالين يبدأون بقول ’لا‘ لكل شيء لا يتماشى مع أهدافهم.” – بيتر دراكر.

فكر في اي شخص انت عارفه ملتزم بحاجه معينه انت مش قادر تلتزم بيها وبأكدلك هتلاقيه بيرفض يعمل حاجات انت بتعلمها. كان فيه واحد صاحبي في الثانويه العامه دحيح، كنت اقعد اتحايل عليه يخرج معايا نسهر ونلعب بلايستيشن وكان بيرفض معظم الوقت عشان يقعد يذاكر. كل مره كان بيرفض يخرج كان بيلتزم اكتر بالمزاكره. هو جاب مجموع كبير دخله هندسة وانا بقيت بدور علي جامعه تقبلني. بس بعدين اتعلمت من الدرس وربنا اكرمني بنجاح في الطريق اللي اخترته لما اتعلمت التزم بأهدافي من خلال رفضي لكل حاجة كانت بتعطلني.

لو عايز تلتزم بحاجة زي الدراسه، الرياضة، او العمل علي مشروع او تعلم مهارة معينه، اول حاجه محتاج تعملها هي الرفض. رفض الاشياء اللي ممكن تمنعك من العمل علي الشئ اللي عايز تلتزم بيه.

مثلا: لو انا اليوم مقرر اقعد اتعلم ساعتين ودي حاجه انا عايز التزم بيها لكن في واحد صاحبي كلمني فجأه وقالي تعالي نخرج، هرفض الخروجة واقوله اعذرني انهاردة مش هينفع ممكن نخليها يوم تاني. انا هنا رفضت الخروجة رغم انها شئ مُسلي وممتع بالنسبالي لكن انا هعمل كده في سبيل الحاجة اللي عايز التزم بيها لأني بتعامل معاها كاضرورة لتحقيق هدف كبير في المستقبل. الرفض هنا محاوله للالتزام بهدفي. 

رفض شئ مهم للعمل علي شئ اهم، اختبار صعب، الشخص الملتزم بيمر به يوميا.

في اللحظة دي في حاجات كتير ممكن احب اعملها غير كتابة المقال ده. ممكن اخرج مع اسرتي، ممكن اروح الجيم، ممكن اتفرج علي فيديوهات علي يوتيوب او اقرأ الاخبار. لكن انا من امبارح واخد قرار اني مش هعمل اي من الحاجات دي انهارده قبل ما انتهي من كتابة المقال. الرفض بيخليني اركز وبيلغي من دماغي كل الاختيارات وانا بشتغل علي الحاجه الاهم في يومي.

الالتزام مش صفه شخصية انما قرار متكرر برفض الأشياء المهمه أو الغير مهمه بهدف تنفيذ الشئ الأهم.

الرفض ممكن يشمل اي حاجه وكل حاجة زي العادات السلبية، المشتتات، طلبات الآخرين حتي رفض التواجد مع بعض الاشخاص وقد يمتد لرفض اهداف جانبيه قد تُضيع تركيزك على الهدف الاساسي. الرفض هيبعدك عن ناس واماكن وانشطة معينه وهيزعل ناس منك لكن الاكيد انك مش هتزعل من نفسك وهتنجح وتلمع في مجالك والناس الصح هيقربوا منك. بالرفض حياتك بتبدأ تتحدد اكتر واكتر وهتتغير تدريجا للأفضل من الداخل والخارج. 

كل يوم في حاجات جديده هتطرأ عليك واغلبها امور عشوائية وغير مهمه اطلاقا لو مقدرتش تقولها لأ ده معناه انك معندكش حاجه اهم تعملها، ساعتها مشكلتك مش هتبقي في الالتزام انما في عدم وجود هدف واضح من الأساس. اللي عنده هدف واضح وعنده دافع لتحقيقه، بيقدر يرفض اي حاجه ممكن تشتته عن السعي الجاد لتحقيقة. مش سهله لكن مافيش حاجة ببلاش ودايما الاشياء القيمة بتكون غاليه واحيانا لا تقدر بثمن. 

كل يوم بتمر بنفس الاختبار، وكل مره بتختار حاجة من اتنين:

  1. اقبل كل حاجه دلوقتي والدفع الثمن بعدين بالندم. 
  2. ابني مستقبل ناجح وادفع ثمنه دلوقتي بالرفض.

مايكل فيلبس، السباح الاوليمبي، فضل يتدرب يوميًا لمدة خمس سنين من غير ما ياخد يوم راحة، حتى أيام الأعياد. الالتزام ده خلاه يحطم أرقام قياسية عالمية ويكون واحد من أعظم الرياضيين في التاريخ. كل الناس تقدر تشوف نجاحة لكن صعب حد يشوف او يستوعب كم الحاجات اللي رفضها واتخلي عنها في سبيل التزامه بالتدريب يوميا. 

الملاكم التاريخي محمد علي كلاي، اتسأل في لقاء تلفزيوني عن سر نجاحه وكان رده كالتالي “الساعة ٩م بكون في سريري” كل الناس ضحكوا واستغربوا من الرد، بعدين كمل وقال “انا مش بخرج اسهر في الملاهي الليليه، وبعيد عن مصادر الالهاء زي العلاقات النسائيه والشرب والمخدرات” هو بيقول بالمعني ان سر نجاحه هو رفض السلوكيات اللي ملاكمين غيره بيقبلوها وعشان كده في محمد علي كلاي واحد بس فضل شايف نفسه ملاكم عظيم وصنع لنفسه تاريخ واصبح ايكونه في عالم الملاكمة.

استراتيجة الإلتزام اساسها الرفض، واعمدتها الإستثمار.

٢. الإلتزام استثمار

مبدأ الالتزام (Commitment) اللي اتكلم عنه روبرت تشالديني في كتابه الشهير (Influence: The Psychology of Persuasion) بيقول إن الإنسان عنده ميل طبيعي إنه يلتزم بمواقفه وأفعاله السابقة، خصوصًا لو أخد قراراته بنفسه.

الانسان بيحب يكون متسق مع نفسه وسلوكياته السابقه عشان يحافظ على صورته قدام نفسه وقدام الناس. للاسف ده ممكن يكون كمان يتحول لالتزام سلبي. 

هتلاقي شخص ملتزم باستخدام السوشيال ميديا يوميا لانه مش شايف نفسه ممكن يعمل حاجه غير كده في وقت فراغه. وممكن يلتزم بالاكل الغير صحي والعادات السلبيه لانه مش شايف نفسه انسان رياضي عايش حياة صحية. كل حاجه بنعلمها سواء كانت سلبية او ايجابيه هي في الاساس متسقه مع الصوره اللي كل واحد فينا شايف بيها نفسه.

اي حاجه بنعملها من فترة واخدت مننا وقت وجهد ويمكن فلوس التزامنا بيها بيزيد وبيكون صعب نتخلي عنها. مافيش حد بيحب يشوف استثماره بيفشل حتي لو كان الاستثمار ده محطوط في الشئ الغلط.

في علاقة قوية جدًا بين استثمار الشخص في أي حاجة والتزامه بها، والعلاقه دي بتُعرف علميًا بمبدأ “الإدراك المعرفي المتنافر” (Cognitive Dissonance). الفكرة ببساطة هي إن لما الشخص بيستثمر حاجة قيمة زي وقته أو جهده أو فلوسه في حاجة معينة، بيبقى عنده ميل نفسي إنه يبرر الاستثمارات دي ويزيد التزامه بالشئ ده عشان يحس إن اللي عمله كان ليه قيمة وماكانش ضياع.

اي حد فينا يقدر يستغل المبادئ النفسية دي لصالح زيادة التزامه بهدفه.

مثلا: الشخص اللي قرر يتمرن وقام رايح مشترك في الجيم واشتري هدوم للتمرين صعب يرجع في كلامه لان لو حصل هيخسر اللي دفعه، استثماره ده دليل علي التزامه بالتمرين. الشخص اللي استثمر جزء كبير من وقته وطاقته في مشروع معين صعب يوقف المشروع في يوم وليله لانه قدمله كتير. 

الاستثمار في شئ معين بيزيد التزامك به لـ ٣ اسباب:

1. الرغبة في تقليل التنافر الداخلي (Cognitive Dissonance)

لما الشخص يبذل مجهود كبير أو يدفع فلوس في شئ معين، بيبقى مش عايز يحس إنه ضيّعهم على حاجة مالهاش قيمة. عشان يتجنب الإحساس بالتناقض الداخلي “ليه عملت ده؟” الي ممكن يتحول للشعور بالذنب، بيبدأ يلتزم أكتر بالحاجة دي، وده بيحسسه إن استثماره كان منطقي بالاخص لما يبدأ يحقق نتائج.

2. تغيير المنظور لقيمة الشئ

لما الشخص بيدفع فلوس أو يبذل مجهود، الحاجة اللي استثمر فيها بتبدأ تبقى أغلى عنده نفسيًا.

مثلاً: لو اشتريت كورس غالي، احتمالية انك تحضره بالكامل وتستفيد فعليا منه هتكون أكتر مقارنة بالكورس المجاني.

3. تأثير البدء

لما تبدأ تستثمر في حاجة، بتحس إنك قطعت فيها شوط ومش هتبقي عايز توقف. ده اسمه “تأثير القدم في الباب” (Foot-in-the-door effect)، وهو إنك كل ما تاخد خطوة صغيرة، بيبقى عندك فضول تاخد الخطوة اللي بعدها.

لو عايز تلتزم بشئ معين، استثمر فيه وقت، جهد، وفلوس.

اللي ساعدني التزم بالكتابة الى الأن هو اني بتعامل معاها علي انها اولوية وضرورة لتحقيق اهدافي المستقبلية لدرجة اني اشتريت كورسات وكتب وقضيت ساعات ولازلت عشان اتعلمها واطور نفسي فيها باستمرار. 

كان ضروري ارفض حاجات تانيه مهمه لانها كانت بتمثل عبئ اضافي او بتسبب لي تشتت زي تسجيل الفيديوهات واستخدام السوشيال ميديا وحضور كورسات او دورات تدريبيه في مواضع مختلفه. قرار الرفض كان صعب لكن انا سعيد وفخور بالتقدم اللي قاعد احققه في الكتابة وقريبا ان شاء الله هتتحول الكتابة للعمود الفقري لصناعة المحتوي التعليمي بمختلف اشكاله وتساعدني احقق باقي اهدافي بسهوله.

لما ادركت ان التركيز علي الكتابة في الوقت الحالي هو المفتاح الذهبي لتحقيق باقي الاهداف، بقي سهل اخد قراري برفض كل حاجة ثانيه واستثمرت وقتي وجهدي وفلوسي في الحاجة الأهم؛ حتي لو كان علي حساب انتشار المحتوي علي السوشيال ميديا وزيادة التفاعل وعدد المتابعين. 


كل الكلام اللي فات مستحيل يحقق اي فائدة لو ما بدأتش تطبقة بشكل عملي وتخليه جزء اساسي من طريقة تفكيرك في التعامل مع هدفك. 

عشان تستخدم مبدأ الرفض والاستثمار في زيادة التزامك بشيء معين، محتاج تخلي كل قرار صغير يقدمك خطوة لهدفك وتخلق لنفسك مواقف تساعدك ترفض أي حاجة ممكن تبعدك عنه. الخطوات اللي جاية عملية جدًا و هتساعدك تبني التزامك بهدفك.

خطوات تطبيق مبدء الرفض

١. حدد اهدافك بدقة: قبل ما تبدأ، لازم تكون عارف إيه الأهم ليك. 

مثلاً، لو هدفك إنك تكتب كتاب، اكتب الأولويات اللي تخدم الهدف ده (زي القراءة، الكتابة اليومية).

٢. قول “لأ” للأشياء اللي بتشتتك: اسأل نفسك: هل الحاجة دي بتساعدني ولا بتبعدني؟ لو الإجابة “بتبعدني”، ارفضها فورًا. 

مثلاً، لو حد طلب منك تقضي وقت في حاجة ملهاش علاقة بهدفك، زي الخروج أو شغل إضافي مش مرتبط، اعتذر بكل بساطة.

٣. حط حدود واضحة مع للناس اللي في حياتك: خليك صريح مع نفسك ومع اللي حواليك، هتريح نفسك وتريحهم لو عرفتهم انك بتحاول تركز على هدفك.

مثلاً، لو عندك هدف إنك تخس، ارفض الأكل غير الصحي اللي اصدقائك ممكن يطلبوه او تتعزم عليه في مناسبة عائلية.

فكر نفسك ان كل مرة بترفض حاجة، انت مش مجرد بتقول “لأ”، لكنك فعلياً بتختار حاجة أهم؛ هدفك.


خطوات تطبيق مبدء الاستثمار

١. ابدأ باستثمار وقتك ومجهودك: خصص وقت يومي أو أسبوعي للعمل على هدفك.

مثلاً، لو عايز تتعلم مهارة جديدة زي التصميم، خصص ساعتين كل يوم للتدريب.

٢. ادفع أو استثمر من فلوسك في الهدف: لما تدفع فلوس، الالتزام بيزيد لأنك بتحس إنك لازم تستفيد من اللي دفعته.

مثلاً: اشترك في كورس مدفوع أو اشترى أدوات تساعدك (زي كتب، تطبيقات تعليمية).

٣. وثّق تقدمك بشكل مكتوب: لما تكتب خطواتك واللي أنجزته، بتحس إنك بتبني على اللي عملته.

مثلاً: اكتب يومياتك عن التقدم اللي حققته في تعلم لغة جديدة أو إنجاز رياضي. حتي لو مش هتكتب حاول كل ي،م قبل ما تنام تفكر في الانجازات اللي حققتها حتي لو كانت بسيطه، ده بيساعدك تبني عليها وافضل بكتير من انك تكون دايما شايف نفسك متأخر.

٤. ابدأ صغير وزوّد تدريجيًا: استثمر في خطوات بسيطة في الأول، وبعدين كبّر استثماراتك مع الوقت.

مثلاً، لو هدفك الجري، ابدأ بجري 10 دقايق يوميًا، وبعدها زوّد الوقت والمسافة.

٥. شارك هدفك علنيًا: لما تعلن هدفك للناس، بتشعر بمسؤولية قدامهم إنك تنجزه.

مثلاً: عن تجربه شخصية عشان ازود التزامي بالكتابة، عملت مدونه واعلنت لكل المتابعين اني هنزل عليها مقال كل اسبوع، ده بيحفزني اكتب كل اسبوع والتزم بهدفي اكتر. 


الخلاصة

صعب تلاقي حد ملتزم بحاجه طول الوقت، كل يوم له ظروفه وتحدياته، ماتتعاملش مع الالتزام علي انه منتج بتدفع تمنه مره ويبقي ملك مدي الحياة، لكن فكر فيه علي انه اشتراك خدمة بيتجدد يومياً. 

اليوم اللي بتدفع فيه الاشتراك بتستفيد من الخدمة واليوم اللي مش بتدفع فيه مالكش خدمة. الاشتراك هو الرفض والاستثمار يوميا. وراد تقصر يوم واتنين بس في اليوم التالت جدد الاشتراك، ارفض المشتتات واستثمر من وقتك وطاقتك في الشئ المهم اللي عايز تلتزم بيه. المهم ان عدد الايام اللي بتلتزم فيها بهدفك تكون اكبر من عدد الايام اللي بتتشتت فيها بحاجات تانيه.

تطبيق مبدء الرفض والاستثمار هو مفتاح الالتزام وهو سر نجاح وتميز اي انسان.

المفتاح دلوقتي في ايديك، ولك حرية استخدامه.

شارك الآن على: